في يونيو من عام 1949، وصلت إلى المكتبات البريطانية رواية أدبية تحمل عنوان سنة لم تأتِ بعد «1984» لم يكن بين اسم الرواية وبين ذلك التاريخ سوى خمسة وثلاثين عاماً، لكن العالم الذي وصفته بدا بعيداًومخيفاً. تحدثت الرواية عن دولة تراقب مواطنيها ليلاً ونهاراً، وحزب يعيد كتابة الماضي كلما تغيرت مصالحه، وشاشات لا تكتفي ببث الدعاية، بل تنظر إلى المشاهدين وتسمعهم، وشرطة لا تنتظر وقوع الجريمة، لأنها تطارد الفكرة قبل أن تتحول إلى فعل.

كان الكاتب جورج أورويل مريضاً بالسل، عندما كتب الرواية وهو يمر بظروف صحية شديدة القسوة، ولكنه تمكن من إكمالها قبل أن تصدر سنة 1949 وتصبح أشهر أعماله. من خلال أحداث الرواية، قدم أورويل، قصة وينستون سميث، الموظف في «وزارة الحقيقة» الذي يتمثل عمله في تعديل الصحف والوثائق القديمة حتى تتوافق دائماً مع الرواية الجديدة التي يعلنها الحزب. ومن قلب هذا العالم خرجت تعبيرات كان من شأنها أن تغادر صفحات الأدب إلى ثقافة الحياة العادية في أنحاء العالم، مثل: «الأخ الأكبر»، و«شرطة الأفكار»، و«التفكير المزدوج»، و«الغرفة 101»، و«اللغة الجديدة».

لم يكن من المستغرب على الإطلاق، أن الرواية التي تحذر من محاولة حذف الكتب والأفكار، وقعت نفسها فريسة الحظر والمنع والتقييد.

ربما تكون أبرز حالات مصادرة الرواية تمت في الاتحاد السوفييتي السابق، حيث حُجبت لعقود عن القارىء العادي، ولكن تم تداولها وانتقالها بين القراء في ترجمات سرية ونسخ مصورة أو مكتوبة خارج قنوات النشر الرسمية. لكن المفارقة أنه في الولايات المتحدة، حيث استُخدمت الرواية كثيراً بوصفها سلاحاً ثقافياً ضد الشيوعية، تعرضت أيضاً للحجب في مدارس ومكتبات محلية، بل إن أحد الاعتراضات عليها وصفها بأنها «مؤيدة للشيوعية». وفي إسبانيا في عهد فرانكو، دخلت أعمال مترجمة كثيرة عبر جهاز رقابي كان يملك سلطة الحذف والتعديل والمنع. وبعد نهاية الحرب الباردة لم تتوقف المفارقة؛ فعادت «1984» في القرن الحادي والعشرين إلى أخبار سحب الكتب وتقييد تداولها، من مدارس أمريكية إلى بيلاروسيا.

هذه القصة، لا تتعلق بكتاب مُنع مرة واحدة ثم تحرر بعدها للأبد، ولكنه قصة عن رواية تغير أعدائها وأسباب الاعتراض عليها، ولكن السؤال الذي كانت تطرحه ظل ثابتاً: ماذا تفعل السلطة عندما تخاف من الكلمات؟.

(1)

لا تبدأ رواية «1984» بشرح سياسي معقد. ولكنها تبدأ بصورة رجل يصعد درجات مبنى رديء، بينما تحاول شخصية الرواية الرئيسية أن تفلت من الريح الباردة. الساعات تدق الثالثة عشرة. وعلى الجدران ملصق لوجه ضخم يراقب الجميع، وتحته تظهر العبارة التي أصبحت أشهر من الرواية نفسها: الأخ الأكبر يراقبك.

يعيش وينستون سميث في «أوقيانيا»، إحدى القوى الكبرى في عالم منقسم بين دول عظمى متحاربة. لا يعرف المواطنون على وجه اليقين من هو العدو، لأن التحالفات تتغير، وعندما تتغير يُعاد تعديل السجلات حتى يبدو أن العدو الجديد كان عدواً طوال الوقت. لا يسمح الحزب للماضي بأن يبقى مستقلًا عن الحاضر. الحقيقة ليست ما حدث، وإنما ما تقول السلطة الآن إنه حدث.

وظيفة وينستون هي المشاركة في هذا التزوير الواسع المنظم. عندما يتنبأ الحزب بإنتاج اقتصادي لا يتحقق، يغير الموظفون الأرقام القديمة حتى يبدو التنبؤ صحيحاً. وعندما يسقط مسؤول من موقعه السياسي، تُمحى صوره وأقواله، وقد يصبح «غير موجود»، إنسان لا تكتفي السلطة بقتله، بل تعيد كتابة التاريخ بحيث يبدو أنه لم يوجد أصلاً.

ولكي يكتمل التحكم في الواقع، يصنع النظام لغة جديدة، تقل كلماتها عاماً بعد عام. والفكرة وراء ذلك بسيطة ومرعبة في آن واحد، فعندما تختفي الكلمات التي تسمح للإنسان بالتعبير عن الحرية أو الاعتراض، يصبح التفكير في هذه المعاني أكثر صعوبة. ليس المطلوب من المواطن أن يصمت فقط، بل أن يفقد الأدوات العقلية التي تمكنه من معرفة أنه صامت.

النقاد الأدبيون المعاصرون لظهور الرواية، قرأوها على الفور بوصفها هجوماً واسعاً على فكرة الشمولية في الحكم، مع حضور واضح للنموذج الستاليني في الاتحاد السوفيتي، بحضور تفاصيل عبادة الزعيم، والاعترافات القسرية، ومحو الشخصيات التي سقطت من سجلات الحزب، وتغيير التاريخ، وإجبار الفرد على قبول المتناقضات. لكن أورويل لم يقدم الرواية باعتبارها نبوءة حتمية أو وصفاً حصرياً لبلد بعينه. ولكنه أطلق صيحة تحذير من إمكان ظهور هذا النوع من السلطة حيثما تجتمع المركزية السياسية، والبروباجندا الشاملة، والتكنولوجيا، والخوف، ووجود طبقة حاكمة لا تريد سوى استمرار حكمها.

ولكن، هل كانت الرواية ضد الاشتراكية؟

كان هذا السؤال حاضراً منذ اللحظة الأولي لصدور الكتاب، كما أنه أثر لاحقاً في الطريقة التي احتفت بها بعض الدول بالرواية أو حظرتها.

من الناحية السياسية، كان أورويل اشتراكياً ديمقراطياً، ومعارضاً للاستبداد الستاليني والفاشية في الوقت نفسه. وعندما فسر بعض القراء «1984» باعتبارها هجوماً على فكرة الاشتراكية بشكل عام، أو على حكومة حزب العمال البريطاني، صدر عن المؤلف توضيحاً يفيد بأن الرواية لا تهدف للهجوم على الاشتراكية أو حزب العمال، وإنما هي رواية أدبية تسعى لكشف التشوهات التي تنتج عن وجود اقتصاد مركزي تحت يد سلطة غير خاضعة للمحاسبة، وهي تشوهات رأى أنها ظهرت جزئياً في تجربة الشيوعية السلطوية والفاشية. وتؤكد الدراسات المنشورة لدى مؤسسة أورويل أنه ظل يعتبر نفسه اشتراكياً ديمقراطياً ومؤيداً لحزب العمال، على الرغم من عدائه الجذري للنموذج السوفيتي.

لكن الكتاب ما إن دخل أجواء الحرب الباردة حتى بدأ يعيش حياة سياسية تتجاوز نوايا مؤلفه.

في العالم الغربي، قرأه كثيرون باعتباره إدانة مباشرة للشيوعية السوفيتية. وفي الكتلة الشرقية، كان هذا التفسير سبباً كافياً لحجبه ومنعه ومصادرته. وبين الجانبين ضاعت أحياناً رسالته الأوسع التي تري أن الاستبداد لا يصبح أقل خطراً لأن الحاكم يرفع شعاراً اشتراكياَ أو قومياً أو أمنياً أو دينياً أو يدّعي حماية الديمقراطية. المشكلة لم تكن أبداً في الاسم الذي تختاره السلطة لنفسها، ولكن في قدرتها على إلغاء الفرد، وامتلاك المعلومات، وتغيير معنى الكلمات، وإجبار الناس على إعلان ما يعرفون أنه كذب كامل.

ولذا، كان من الممكن أن تُتهم الرواية في مكان ما بأنها معادية للشيوعية، ثم تُتهم في مكان آخر بأنها مؤيدة لها. لم يكن التناقض في الكتاب بقدر ما كان في مخاوف من أرادوا إبعاده عن متناول قراء بعينهم.

(2)

كان الاتحاد السوفيتي المكان الأبرز في قصة منع الرواية.

لم تكن «1984» كتاباً يمكن أن يمر بسهولة عبر جهاز النشر السوفيتي. فالقارئ لا يحتاج إلى معرفة دقيقة بتاريخ الاتحاد السوفيتي حتى يلاحظ أوجه الشبه بين عالم أورويل الروائي وبعض ممارسات الحكم في عهد جوزيف ستالين، الزعيم الذي تملأ صورته المجال العام، والشرطة السياسية، والمحاكمات والاعترافات، وإعادة كتابة التاريخ، وإخفاء من خرجوا من السلطة، واللغة الرسمية التي تطلب من الناس قبول الشيء ونقيضه.

استمرت الرواية محظورة عن النشر العام في الاتحاد السوفيتي حتى أواخر عهد ميخائيل جورباتشوف. وتشير المصادر إلى أن أول نسخة روسية أُتيحت علناً داخل الاتحاد السوفيتي ظهرت في عام 1988 في مجلة أدبية تصدر في مولدافيا السوفيتية، ثم ظهرت ترجمة روسية أخرى في العام التالي. جاء ذلك ضمن مناخ «الجلاسنوست»، أو الانفتاح، الذي سمح تدريجياً بنشر أعمال ومعلومات ظلت ممنوعة أو محجوبة لعقود طويلة.

لكن، وكعادة قرارات المنع والمصادرة الرسمية، لم يعن هذا أن السوفيت لم يعرفوا الرواية.

قبل ظهورها العلني، كانت هناك ترجمات روسية أُنجزت ونُشرت خارج الاتحاد السوفيتي. ظهرت إحدى الترجمات في مجلة للمهاجرين الروس في خمسينيات القرن العشرين، ثم ظهرت طبعة في فرانكفورت، وأعقبتها ترجمات أخرى. تسربت نسخ إلى الداخل، وتداولها بعض القراء ضمن ثقافة «الساميزدات»؛ أي نسخ النصوص الممنوعة التي توزع بعيداً عن قبضة مؤسسات الدولة. وتذكر الدراسات المتعلقة بالقراءة تحت الرقابة السوفيتية وجود رواية «1984» ضمن الأعمال التي كان يتم تداولها سراً.

بالطبع، . كانت رداءة النسخة أو ضعف الترجمة أقل أهمية من فكرة القدرة على الوصول للنص الممنوع.

بعض المصادر تشير إلى وجود ترجمة روسية محدودة للاستخدام الداخلي بين أعضاء أو مسؤولين كبار في الحزب الحاكم، في وقت لم يكن مسموحاً للقارئ العادي بالحصول عليها. أي إن من يملكون سلطة منع الناس من قراءة أورويل كانوا يريدون، هم أنفسهم، معرفة ما كتبه عنهم.

وهنا تظهر إحدى مفارقات الرقابة، حوّلت الدولة الرواية إلى عمل نادر، لكنها لم تستطع منعها تماماً. بل إن قرار المنع منحها هالة النص الذي يحتوي على حقائق تخشاها السلطة.

والمفارقة الأكبر، أن بعض المصادر تشير إلى وجود ترجمة روسية محدودة للاستخدام الداخلي بين أعضاء أو مسؤولين كبار في الحزب الحاكم، في وقت لم يكن مسموحاً للقارئ العادي بالحصول عليها. أي إن من يملكون سلطة منع الناس من قراءة أورويل كانوا يريدون، هم أنفسهم، معرفة ما كتبه عنهم.

لم يتغير وضع رواية «1984» داخل الاتحاد السوفيتي بسبب تطور أدبي أو ثقافي، ولكن بسبب تغير سياسي واسع النطاق.

عندما تولى ميخائيل جورباتشوف قيادة الاتحاد السوفيتي في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، أطلق سياسات إصلاح ارتبطت باسمَي «البيريسترويكا» و«الجلاسنوست». كان المقصود بالأولى إعادة البناء الاقتصادي والسياسي، بينما ارتبطت الثانية بفتح المجال العام ونشر معلومات ونصوص كانت الرقابة تمنعها على مدار سنوات.

لم تختف الرقابة في يوم واحد، ولم تصبح كل الأعمال المحظورة متاحة على الفور. بل جاءت العملية متدرجة عبر درجات مختلفة من المقاومة من داخل النظام. ومع ذلك، اتسعت المساحة المتاحة للصحف والمجلات، وبدأت مراجعة تاريخ الحقبة الستالينية، ونُشرت نصوص كان مجرد تداولها سابقاً يتم اعتباره كفعل معاد للدولة.

في هذا المناخ، أصبح منع «1984» أكثر صعوبة. فالرواية التي تتحدث عن تزوير التاريخ واحتكار الحقيقة أصبحت متسقة مع الخطاب الإصلاحي الذي يدعو إلى كشف أخطاء الماضي. وهكذا خرج الكتاب من العالم السري إلى المجلات ودور النشر، قبل سنوات قليلة من انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه.

كان عام 1988، هو نقطة التحول الأساسية في قصة الرواية داخل الاتحاد السوفيتي. حيث لم تعد حكراً على المنشقين أو القراء الذين يخبئون النسخ في بيوتهم، بل أصبحت نصاً يمكن نشره علناً. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، تحولت إلى كتاب واسع التداول في روسيا وغيرها من الجمهوريات السابقة.

وفي ديسمبر 2022، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وتصاعد الرقابة السياسية والإعلامية، تصدرت «1984» قوائم الكتب الإلكترونية الأكثر مبيعاً في روسيا وفق بيانات نقلتها وكالة رويترز. كانت الرواية التي حُظرت حتى 1988 قد أصبحت واحدة من أكثر الكتب طلباً لدى القارئ الروسي في لحظة سياسية جديدة.

بالطبع، لا يثبت هذا أن كل مشترٍ للرواية كان يقارنها مباشرة بالواقع الروسي، ولا يجوز الحسم حول دوافع ملايين القراء. لكنه يبين أن رفع الحظر لا ينهي علاقة السلطة المتوترة بالكتاب. يمكن للرواية أن تصبح قانونية ومتاحة، ثم تستعيد حساسيتها كلما شعر القراء بأن مفرداتها تساعدهم على فهم لحظة الحاضر.

(3)

الحظر السوفييتي لهذه الرواية ليس مفاجئاً على الإطلاق، ولكن المفاجأة تأتي من الجانب الآخر تماماً، من الولايات المتحدة.

ولكن، عند الحديث عن «الكتب الممنوعة»، لا يجب وضع كل الحالات في مستوى واحد. لدرجة أن يقال مثلاً إن «1984» حُظرت في الولايات المتحدة، كما حُظرت في الاتحاد السوفيتي. لكن المقارنة بهذه الصيغة غير دقيقة.

لم يكن هناك في أي وقت حظر أمريكي شامل يمنع بيع الرواية أو امتلاكها. على العكس، أصبحت الرواية من الأعمال التي دُرست على نطاق واسع، واستُخدمت خلال الحرب الباردة بوصفها عملاً نقدياً للأنظمة الشيوعية. لكن ذلك كله لم يمنع ظهور اعتراضات محلية على وجودها في مكتبات المدارس أو تدريسها لفئات عمرية معينة.

تفرق الجمعية الأمريكية للمكتبات بين عمليات الاعتراض، وعمليات المنع. الاعتراض هو محاولة لإبعاد كتاب من المكتبة أو تقييد الوصول إليه، أما المنع فهو نجاح تلك المحاولة في إخراجه من مكتبة أو فصل دراسي أو قائمة قراءة. وهذه التفرقة ضرورية لفهم تاريخ «1984» في الولايات المتحدة.

من أشهر الوقائع الموثقة حول الرواية، اعتراض وقع في مقاطعة جاكسون بولاية فلوريدا سنة 1981، حيث وُصفت الرواية بأنها «مؤيدة للشيوعية» وبأنها تحتوي على مواد جنسية صريحة. تبدو التهمة الأولى غريبة بالنظر إلى استخدام الرواية الواسع في نقد الاتحاد السوفيتي، لكنها تكشف عن ألاعيب الرقابة حيث لا يحتاج المعترض دائماً إلى قراءة الكتاب بالطريقة التي قرأه بها النقاد أو حتي المؤلف؛ يكفي أن يجد المعترض في الكتاب ما يثير مخاوفه السياسية أو الأخلاقية.

ولكن لم تكن هذه هي الحالة الوحيدة مع الرواية داخل الولايات المتحدة، حيث تعرض الكتاب لاعتراضات أخرى تتعلق بالمشاهد الجنسية، والعنف، واللغة، ومدى ملاءمته لأعمار الطلاب. وفي بعض الحالات تم حذفه من قوائم قراءة إلزامية، أو أتيح كتاب بديل للطالب، أو نُقل إلى مستوى دراسي مختلف. وفي حالات أخرى تراجعت الإدارة عن قرار السحب بعد احتجاج من الطلاب أو بعد مراجعة الإجراءات.

في إحدى الوقائع الموثقة في ولاية أيداهو سنة 2018، اعترض أحد أولياء الأمور على مقطع وصفه بأنه عنيف وصريح جنسياً. وظهرت تقارير أولية عن منع الكتاب من فصلين دراسيين، لكن احتجاجات طلابية ومراجعة للقرار انتهت إلى الاحتفاظ بالرواية مع إتاحة بديل لمن يعترض ولي أمره عليها. وفي مدرسة أخرى بولاية تكساس أُخرجت من القراءة الإلزامية للمرحلة المتوسطة بسبب اعتراضات تتعلق بالعمر المناسب.

في عام 2024، وضع مجلس منطقة إليزابيث التعليمية في كولورادو رواية «1984» ضمن كتب أصبح الوصول إليها يحتاج إلى إذن الوالدين، مع عشرات العناوين الأخرى. وفي مارس 2025، أمر قاضٍ اتحادي بإتاحة الوصول إلى الكتب التي أُزيلت أو قُيدت، ومنع المنطقة من فرض الرقابة على كتب المكتبة لمجرد اختلاف المسؤولين مع الأفكار الواردة فيها أو رغبتهم في فرض توجه سياسي أو ديني معين.

هذه الحالات لا تجعل الولايات المتحدة -بطبيعة الحال- معادلة للاتحاد السوفيتي. هناك فرق جوهري بين نظام دولة يمنع نشر الرواية وبيعها لعقود، وبين محاولات محلية تخضع للاحتجاج والمراجعة والمحاكم. لكن الفارق لا يجعل الاعتراضات المحلية بلا أهمية؛ فبالنسبة إلى الطالب الذي أزيل الكتاب من مكتبته، يكون أثر القرار مباشراً حتى لو ظلت الرواية متاحة للبيع في متجر قريب.

المثير، أن الاعتراضات الأمريكية تكشف أن الكتاب يمكن أن يزعج جماعات مختلفة لأسباب متناقضة.

اعترض البعض على الكتاب سياسياً، لأن عالم الرواية يستخدم اسم «الاشتراكية الإنجليزية» للعقيدة الرسمية للحزب، أو لأنهم رأوا أن الكتاب لا يرفض الاقتصاد الشمولي بالوضوح المطلوب. واعترض آخرون على مشاهد العلاقة بين وينستون وجوليا، وعلى وصف التعذيب والعنف، أو على اللغة المستخدمة في بعض المقاطع.

بالنسبة إلى أورويل، كانت العلاقة الجنسية داخل الرواية سياسية أيضاً. يريد الحزب أن يسيطر حتى على الرغبة والروابط الخاصة، لأن الحب والولاء الفردي قد ينافسان الولاء للسلطة. لكن المدرسة أو ولي الأمر قد ينظران إلى المقطع خارج هذا السياق، ويريان فقط محتوى غير مناسب للطلاب.

لا تقدم قصة «1984» إجابة واحدة، لكنها تبين أن الرقابة على الكتاب لا تأتي دائماً من حكومة مركزية. ولكنها قد تبدأ من اجتماع صغير لمجلس مدرسة، أو شكوى فردية، أو قائمة آلية لتصنيف الكتب، أو خوف إداري من الصراع القضائي.

(3)

رواية «1984» كشفت أيضاً الكثير من الوجوه المختلفة للرقابة.

في القرن العشرين، لم تكن كل رقابة عبارة عن منع كامل.مثلا، في إسبانيا خلال حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو، خضعت الكتب المستوردة والمترجمة لنظام رقابي واسع امتد من نهاية الحرب الأهلية حتى وفاة فرانكو عام 1975. كان الناشر أو المترجم يحتاج إلى المرور بالعديد من الإجراءات، التي تعطي الرقيب سلطة منع العمل، أو طلب حذف أجزاء منه، أو تعديل عبارات بعينها قبل السماح بالنشر.

هذا النوع من الرقابة أكثر صعوبة في الرصد من المصادرة العلنية. حيث يرى القارئ كتاباً يحمل اسم المؤلف وعنوان العمل، لكنه لا يعرف بالضرورة أن هناك فقرات حُذفت، أو أن الترجمة خففت معاني سياسية أو جنسية أو دينية.

تبين الدراسات الأكاديمية عن الترجمة في إسبانيا في حقبة فرانكو أن الأدب الأجنبي خضع لعمليات حذف وتكييف متعددة، وأن الرقابة لم تكن ثابتة؛ فقد تغيرت شدتها ومعاييرها مع مراحل النظام وعلاقته بالكنيسة والضغوط الدولية. ولهذا ينبغي الحذر من تكرار أقوال عامة مثل «مُنعت 1984 في إسبانيا» من دون تحديد الطبعة والإجراء. والأدق أن الرواية دخلت بيئة نشر رقابية كانت قادرة على تعديل النصوص الأجنبية وتقييدها، وأن تاريخ الترجمات الإسبانية ينبغي فحصه طبعةً طبعة، لا اختزاله في قرار حظر واحد.

هذه النقطة مهمة لأن قصة الرقابة على «1984» ليست قصة الأبواب المغلقة فقط. أحيانًا تسمح السلطة للكتاب بالمرور بعد أن تجعل صوته أقل حدة. وفي عالم أورويل نفسه، لا تختفي الوثائق دائمًا؛ بل يعاد تحريرها حتى تخدم الحقيقة الرسمية.

المدهش أنه بالرغم من مرور السنوات الطويلة على صدور هذه الرواية، فإن محاولات مطاردتها لم تتوقف.

في مايو 2022، نشرت وسائل إعلام مستقلة ومنظمات تتابع حرية النشر تقارير تفيد بصدور أمر إلى منافذ بيع في بيلاروسيا لإزالة جميع نسخ «1984» من التداول، مع طلب الإبلاغ عن تنفيذ الأمر. جاءت التقارير في وقت كانت فيه السلطات تشدد الضغط على الناشرين المستقلين، وذكرت أن نسخاً من الكتاب صودرت ضمن كتب أُخذت من مكتبة أو دار نشر مستقلة.

ومع ذلك لم يُنشر، بحسب المصادر المتاحة، قرار تشريعي عام بمنع الرواية، كما أشارت تقارير في الوقت نفسه إلى استمرار ظهور الكتاب في موقع شركة بيع حكومية. ولم يكن معلومًا على وجه اليقين عدد المكتبات التي تلقت أمر المنع أو مدة تطبيقه.

وتوضح هذه الحالة مشكلة تواجه من يكتب تاريخ الكتب الممنوعة، وهي أن الأنظمة المعاصرة لا تصدر دائماً قرار رسمي لـ«حظر كتاب». قد تتصل جهة رسمية بالناشرين أو الموزعين، أو تصادر شحنة، أو تضع عنوانًا في قائمة غير معلنة، أو تستخدم قوانين «التطرف» والمحتوى المحظور من دون ذكر الرواية في قانون مستقل. وقد تكون النتيجة العملية هي اختفاء الكتاب، بينما يبقى المسار القانوني غامضاً.

(4)

هذه القدرة على تحول مقاطع وتعبيرات الرواية إلى قاموس سياسي هي التي جعلت حظر الرواية صعباً وغير مكتمل. بالطبع يمكن إنزال النسخ الورقية من الرف، لكن الكلمات التي صنعها العمل تكون قد دخلت الثقافة بشكل عميق

كان عنوان السنة وسيلة لدفع القارئ إلى النظر في اتجاهات كانت موجودة بالفعل، مثل توسع البيروقراطية، والبروباجندا، وسطوة التكنولوجيا القادرة على المراقبة، وسيطرة الدول على المعلومات في زمن الحرب، وصناعة الأعداء، واستخدام اللغة لإخفاء الواقع.

الآن، كلما ظهرت فضيحة مراقبة، عاد تعبير «الأخ الأكبر». وكلما حذفت حكومة صور مسؤول سابق أو غيرت روايتها عن حدث، عاد «ثقب الذاكرة». وكلما استخدمت مؤسسة عبارة ناعمة لوصف فعل قاسٍ، استُدعي مفهوم «اللغة الجديدة». وعندما يُطلب من المواطن تصديق عبارتين متناقضتين في الوقت نفسه، يجد القارئ أمامه تعبير «التفكير المزدوج».

هذه القدرة على تحول مقاطع وتعبيرات الرواية إلى قاموس سياسي هي التي جعلت حظر الرواية صعباً وغير مكتمل. بالطبع يمكن إنزال النسخ الورقية من الرف، لكن الكلمات التي صنعها العمل تكون قد دخلت الثقافة بشكل عميق. ويمكن منع ترجمة، لكن الفكرة تنتقل في مقال أو محادثة أو نسخة سرية. ويمكن لسلطة أن تدعي أن الرواية تهاجم خصومها وحدهم، ثم يقرأها مواطنوها باعتبارها وصفًا لسلطتهم الحاكمة.

منذ صدورها، كانت «1984» ناجحة ومؤثرة، وتلقت مراجعات واسعة في الصحافة البريطانية والأمريكية. لم تكن في حاجة إلى المنع حتى تصبح معروفة. لكن حظرها في الأنظمة الشيوعية، واعتراض المدارس والمكتبات عليها، أضافا طبقة جديدة إلى شهرتها. وعلى مدار السنوات تحولت الرواية إلى رمز متكرر في حملات الدفاع عن حرية القراءة. تستخدم المكتبات تعبيرات مستمدة منها عند الحديث عن الرقابة، وأصبح وصف فعل ما بأنه «أورويلي» اتهامًا سياسيًا مفهومًا حتى لمن لم يقرأ الرواية كاملة.

لم يؤكد منع «1984» أن الأنظمة الشمولية تخاف من الأدب؛ فهذه حقيقة معروفة. ولكن المفارقة أن الكتاب تعرض للاعتراض في أنظمة وبيئات مختلفة، ولأسباب متعارضة.

منعه النظام السوفيتي لأنه كشف آليات دولة تشبهه أكثر مما ينبغي. وحمله بعض الغربيين راية في الحرب الباردة، ثم حاولت مجالس محلية غربية إخراجه من المدارس بسبب السياسة أو الجنس أو العنف. ومر عبر أنظمة ترجمة رقابية تستطيع أن تبقي اسم الكتاب وتغير بعض ما يقوله. وفي زمننا الحديث، ظهرت تقارير عن سحبه في بلد من بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، بينما أعاد قاضٍ أمريكي كتابه إلى رفوف المدارس بعد محاولة لتقييده.

تكشف هذه الرحلة أن الرقابة لا تملك وجهًا واحدًا.

قد ترتدي الرقابة زي وزارة للدعاية، أو لجنة حزبية، أو رقيب على المطبوعات. وقد تظهر في صورة مجلس مدرسة يقول إنه يحمي الأطفال، أو موظف يخشى الشكوى، أو نظام إلكتروني يصنف الكتب دون قراءة سياقها. وقد تكون قومية شاملة، أو محلية ومؤقتة، أو غير معلنة، أو قابلة للطعن أمام القضاء. لكن النتيجة المشتركة هي أن جهة ما تقرر أن قارئاً آخر لا ينبغي أن يرى النص ويكوّن حكمه بنفسه.

لهذا ظلت «1984» حية في الثقافة العالمية. ليس لأنها الرواية المعصومة من النقد، لكن لأنها منحت القراء لغة يتعرفون بها إلى السلطة عندما تحاول أن تمحو الحدود بين الحقيقة والكذب.

في نهاية الرواية، لا تكتفي السلطة بهزيمة جسد وينستون. ولكنها أرادت أن تدخل إلى عقله، وأن تجعله يحب ما كان يخشاه، وأن يرى ما تطلب منه أن يراه. الانتصار الحقيقي للحزب لا يقع عندما يصمت الرجل، بل عندما يفقد القدرة على الاحتفاظ بحقيقة داخلية مستقلة.

كان منع «1984» محاولة لإبقاء هذه الفكرة بعيدًا عن بعض القراء.

وبعد أكثر من ثلاثة أرباع قرن على صدورها، لم تعد المفارقة أن رواية عن الرقابة تعرضت للرقابة. المفارقة الأكبر أن كل محاولة لمنعها قدمت مثالًا جديدًا على السبب الذي يجعلها ضرورية. فالسلطة تستطيع أن تجمع النسخ، وأن تغلق مكتبة، وأن تحذف عنواناً من المنهج، وأن تطلب تصريحاً من ولي الأمر. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تضمن ما الذي سيفكر فيه القارئ عندما يعرف أن كتابًا ما قد أُخفي عنه.

في تلك اللحظة، يبدأ السؤال الذي خاف منه «الأخ الأكبر» دائمًا: لماذا لا يريدونني أن أقرأه؟.

مصادر:

  • مؤسسة أورويل، صفحة رواية «Nineteen Eighty-Four»، وفيها بيانات النشر، وظروف كتابة الرواية، وأهم المصطلحات التي أدخلتها إلى اللغة السياسية.
  • مقدمة بن بيموت للرواية، منشورة لدى مؤسسة أورويل، وتتناول سياق الكتابة وعلاقة أورويل بالاشتراكية الديمقراطية ورفضه للستالينية والشمولية.
  • مراجعة ليونيل تريلنغ للرواية في مجلة The New Yorker سنة 1949، وهي مصدر معاصر مهم لفهم استقبال الرواية السياسي عند صدورها.
  • بيان أورويل عن أن الرواية ليست هجومًا على الاشتراكية أو حزب العمال، كما نقلته الدراسات والمواد التاريخية المتعلقة باستقبال الكتاب.
  1. رويترز، تقرير ديسمبر 2022 عن تصدر الرواية قوائم المبيعات الروسية، ويتضمن توثيق استمرار حظرها في الاتحاد السوفيتي حتى سنة 1988.
  2. الجمعية الأمريكية للمكتبات، وسجل الكتب التي تعرضت للاعتراض، بما في ذلك واقعة مقاطعة جاكسون في فلوريدا سنة 1981.
  3. الجمعية الأمريكية للمكتبات، تعريفات الاعتراض والمنع وحملة أسبوع الكتب الممنوعة.