لم يكن حجم الكتاب ضخماً، ولم يكن موضوعه -في الظاهر- من الموضوعات التي تثير اهتمام القارىء العادي، أو تدفع الناس للخروج في مظاهرات، أو تقود النواب للغضب داخل قاعة البرلمان. كان الكتاب حولالأدب العربي القديم، يحمل عنواناً هادئًا ومتخصصًا: "في الشعر الجاهلي".
ولكن الكتاب، ما إن صدر في القاهرة عام 1926، حتي اتضح أن مؤلفه، الكاتب والأكاديمي الشهير، طه حسين، لم يكتب عن الشعر وحده، ولكنه من خلال الشعر اقترب من منطقة شديدة الحساسية، وطرح أسئلة مزعجة للغالبية العظمي، أسئلة كان على رأسها: كيف نقرأ التراث؟، ومن يمتلك حق مساءلة الروايات المختلفة التي ورثناها؟، وهل يجوز للباحث أن يشكك في قصص تناقلها القدماء، حتي إذا كانت هذه القصص ترتبط بالدين، والهوية، وتاريخ العرب؟.
خلال أسابيع قليلة من نشر الكتاب، خرجت أفكاره من قاعات الجامعة إلى صفحات الصحف، وقيادات الأزهر، وأروقة البرلمان، لينتهي الكتاب بما يحمله من أفكار على مكتب رئيس نيابة مصر.
خلال أسابيع قليلة، تحول أستاذ الأدب الشهير إلى متهم بالطعن في الإسلام، وتحول الكتاب المتخصص إلى قضية رأي عام تشغل الشارع. وطالب خصوم المؤلف بسحب الكتاب ومصادرته، كما طالبوا بمحاسبة الرجل الذي تجرأ على وضع التراث تحت مجهر النقد.
شهور طويلة تحول فيها الكتاب ومؤلفه إلى مركز الاهتمام في مصر، مع بلاغات للنيابة بالتحقيق مع الرجل حول أفكاره، كانت الدنيا وقتها غير الدنيا التي نعرفها الآن. تقول وقائع التاريخ أن طه حسين لم يذهب إلى المحكمة بسبب الكتاب، ولكنه تعرض لتحقيق طويل أمام النيابة العامة انتهى في 30 مارس 1927 بقرار من النيابة بحفظ القضية، لأنها رأت أن القصد الجنائي بإهانة الدين لم يثبت، حتى لو تضمن الكتاب آراء خاطئة، أو عبارات قاسية، أو استنتاجات قابلة للنقد.
لم يخرج كتاب "في الشعر الجاهلي" من هذه المعركة كما دخلها. اختار طه حسين أن يناور العاصفة، في العام التالي أصدر حسين كتابه تحت عنوان أوسع وهو "في الأدب الجاهلي"، وفي الطبعة الجديدة حذف المؤلف فصلاً، ووضع مكانه فصلاً آخر، كما أضاف عدة فصول جديدة، وأعاد صياغة -أو أسقط- أكثر المقاطع التي تسببت في الأزمة.
ومع ذلك، أبقي طه حسين على جوهر نظريته التي ناقشها الكتاب، وهي أن قطاعاً كبيراً من الشعر المنسوب إلى العصر الجاهلي لا ينتمي إلى ذلك العصر، وأنه في حقيقة الأمر نُظم بعد ظهور الإسلام ثم نُسب إلى شعراء عاشوا قبله.
ورغم اختيار المؤلف أن يتجاوز العاصفة وقت صدور الكتاب، إلى أن الكتاب في صورته الأصلية، وما دار حوله من الجدل تحول من موضوع أدبي أو نقدي متخصص إلى قصة متشعبة حول الجامعة الحديثة، وحرية البحث والتفكير والنقد، وسلطة المؤسسة الدينية، ودور السياسة والصحافة في إشعال المعركة، والفرق بين الأفكار -التي تتجاوز السائد أو تعارضه أو تستفزه- وبين التجريم والعقاب، وهي قصة ما زال صداها يتردد في المجتمع رغم مرور نحو قرن من الزمان على حدوثها.
وهي قصة تستحق أن تُروي.
(1)
كان طه حسين يعرف -على الأرجح- أنه لا يقدم لقرائه كتاباً مريحاً. لا يحتاج قارئ الطبعة الأولى إلى الانتظار طويلاً حتى يسمع نبرة التحدي. منذ الصفحات الأولى يعلن المؤلف أنه يريد أن يسلك في دراسة الشعر القديم طريقاً جديداً، وأن يتجرد، قدر استطاعته، مما تلقاه من آراء سابقة، وألا يقبل شيئًا لأنه موروث أو مشهور أو متفق عليه.
كانت الطبعة الأولى تحمل على صفحتها الداخلية اسم المؤلف وصفته: أستاذ الآداب بكلية الآداب في الجامعة المصرية، وصدرت عن مطبعة دار الكتب المصرية سنة 1926. وفي الإهداء، قدّم طه حسين كتابه إلى عبد الخالق ثروت باشا، أحد أبرز رجال السياسة في ذلك العصر. لم يكن الإهداء مجرد مجاملة أدبية؛ فالكتاب نفسه كان يظهر فى لحظة مصرية مضطربة، تتداخل فيها الثقافة بالسياسة، وتتطلع فيها الجامعة الناشئة إلى أن تكون مؤسسة للبحث المستقل، لا مدرسة تكرر ما يقوله السابقون.
لم يقل طه حسين على الإطلاق أنه صاحب الكشف والاكتشاف لنحل وانتحال الشعر العربي القديم. العديد من كُتاب العرب الأقدمون تحدثوا منذ قرون عن رواة يضعون الشعر، وقبائل تزيد في مآثرها، وأشعار تنسب إلى غير أصحابها. لكن الفكرة المركزية التي اعتمدها طه حسين، كانت في دفع مسألة الشك إلى مساحات أبعد بكثير مما اعتاده القارئ العربي.
بالنسبة لطه حسين، لم يعد سؤاله الرئيسي: أي القصائد صحيحة؟ وأيها منحول، ولكن السؤال تحول ببساطة إلى: كم بقي أصلاً من القصائد التي يمكن الإطمئنان إلى نسبتها للعصر الجاهلي؟.
وجاء جوابه عبر صفحات الكتاب صادماً. حيث رأى أن الكثرة المطلقة مما يتداوله الناس بوصفه شعراً جاهلياً، هو في حقيقة الأمر شعر تمت صياغته بعد ظهور الإسلام، ثم رُد إلى الماضي لخدمة أغراض سياسية أو قبلية أو دينية أو لغوية. لم يقل الرجل إن كل بيت من الشعر المنسوب إلى الجاهليين مزور، لكنه نقل حالة الشك من الهامش إلى المركز؛ فلم يعد الانتحال استثناءً محدوداً وسط بيئة مؤكدة، ولكنه -وفق نظريته- أصبح هو الاحتمال الأكبر الذي ينبغي للباحث أن ينطلق منه.
بالنسبة لطه حسين، لم يكن الشعر القديم سجلاً بسيطاً لحياة العرب قبل الإسلام. لكنه كان نصوصاً وصلت إلينا عبر قرون من الرواية الشفوية والتدوين المتأخر والتنافس السياسي والقبلي. وكل مرحلة من هذه المراحل كانت، في رأيه، قادرة على أن تضيف وتحذف وتعيد تشكيل الماضي.
كانت الفكرة المركزية في حد ذاتها كافية تماماً لإشعال معركة أدبية كبري. لكن الكتاب لم يتوقف عند هذا الحد.
(2)
البحث في الشعر القديم قاد إلى الدين!
عمل طه حسين على اختبار الشعر المنسوب إلى العصر الجاهلى بمقارنته بما يمكن معرفته عن حياة العرب قبل الإسلام. نظر في اللغة واللهجات والدين والسياسة والعلاقات بين القبائل، ثم تساءل: هل يعكس هذا الشعر حقًا عالماً شديد التنوع، أم أنه يعكس لغة واهتمامات العصر الإسلامي الذي جرى خلاله جمعه وتداوله؟.
رأى المؤلف أن الشعر المنسوب إلى قبائل مختلفة اللهجات يبدو متجانس اللغة أكثر مما ينبغي. كما لاحظ أن كثيراً منه يتصل بمعارك وأفكار اكتسبت أهميتها بعد الإسلام. ومن هنا اتجه إلى تفسير الانتحال باعتباره صناعة اجتماعية واسعة، حيث تريد قبيلة أن تثبت فضلها فتخترع لشعرائها قصائد قديمة، أو حزب سياسي يبحث عن نسب تاريخي لموقفه، أو رواة يملأون فراغات الماضي، وكذلك نحاة يستشهدون بأبيات تؤيد قواعدهم، وربما وعاظ أو قصاص ينسجون حول الشخصيات والوقائع قصائد وحكايات.
لكن تطبيق هذا المنهج على تاريخ العرب قاد المؤلف مباشرة إلى الروايات المتعلقة بإبراهيم وإسماعيل ومكة ونشأة العرب المستعربة. وهنا كتب العبارات التي ستصبح أكثر أجزاء الكتاب شهرة وخطراً.
ميز طه حسين، أو حاول أن يميز، بين الإيمان الديني والإثبات التاريخي. فوجود قصة في القرآن أو التوراة يمنحها، عند المؤمن، مكانتها الدينية، لكنه رأى أن المؤرخ الحديث يحتاج إلى أدلة مستقلة عندما يريد بناء سرد تاريخي تفصيلي عن هجرة إسماعيل إلى مكة أو اتصاله بالعرب أو نشأة قبائل بعينها.
بالنسبة إلى خصومه، لم يكن هذا تمييزاً منهجياً. ولكنهم رأوه إنكاراً لما جاء في القرآن وتشكيكاً في وجود نبيين كريمين. لم يروا في هذا المنهج باحثاً يختبر الروايات التاريخية، بل رأوا كاتباً ينتقل من الشك في القصائد إلى الشك في المقدسات.
ساهمت اللغة التي استخدمها طه حسين في اشتعال الغضب. حيث لم يكتب دائمًا بعبارات حذرة من نوع «ربما» و«يحتمل» و«لا تتوافر أدلة كافية». وجاءت لهجة الكتاب، في مواضع عديدة، واثقة وقاطعة. وانتقل أحياناً من ضعف الدليل إلى إعلان الشك الجذري في الواقعة. لذلك لم يكن كل ما وجه إلى الكتاب مجرد هجوم ديني على حرية البحث؛ فقد احتوى الكتاب نفسه على مشكلات منهجية حقيقية، وعلى أحكام واسعة كان يمكن صياغتها بدرجة أكبر من التحوط.
لكن في المناخ الذي ظهر به الكتاب سنة 1926، لم يكن هناك وقت طويل لمناقشة هذه الفروق الدقيقة، حيث التقطت الصحافة أكثر العبارات إثارة من نصوص الكتاب، ليخرج النقاش فوراً من يد النقاد إلى رجال الدين والسياسة.
(3)
بدأت ردود الفعل تظهر بسرعة. هاجم علماء وكتّاب وأدباء أطروحة طه حسين، وصدرت مقالات وكتب للرد عليه. دخل مصطفى صادق الرافعي ومحمد الخضر حسين ومحمد لطفي جمعة وغيرهم ساحة المعركة، وإن اختلفت دوافعهم وأساليبهم ومستويات اعتراضهم.
كان بعض النقد أدبياً ولغويا، وطرح أسئلة منطقية: هل بالغ طه حسين في الشك؟ هل أقام نتائجه على أدلة كافية؟ هل نقل أفكاراً عن باحثين غربيين دون إشارة؟ وهل يستطيع اختلاف اللهجات، كما تصوره المؤلف، أن يثبت وحده أن الشعر منحول؟
بينما جاء جانب آخر من الهجوم دينياً مباشراً. اتُّهم المؤلف بالتشكيك في القرآن، والطعن في الأنبياء، والإساءة إلى النبي محمد ونسبه، والتعامل مع القراءات القرآنية بطريقة غير مقبولة.
أما المحور الثالث للهجوم فكان سياسياً. لأن طه حسين لم يكن مجرد كاتب مستقل يصدر كتاباً من دار نشر خاصة. ولكنه كان أستاذاً في الجامعة المصرية، وهي مؤسسة تمثل مشروعاً جديدًا للمعرفة والتعليم. لذلك رأى خصومه أن ما يقوله ليس رأياً فردياً فحسب، ولكنه كلام يصدر عن أستاذ يتولى تعليم شباب البلاد داخل مؤسسة عامة.
تقاطعت، في الأزمة، حسابات الأحزاب ومواقف الصحف والتنافس بين المؤسسات. وجد خصوم الجامعة أو خصوم الاتجاه الليبرالي في الكتاب فرصة للهجوم، بينما رأى المدافعون عن استقلال الجامعة وحرية البحث أن التراجع أمام الضغط سيفتح الباب لإخضاع المعرفة للبرلمان أو الشارع أو المؤسسة الدينية.
وفجأ، لم تعد القضية تدور حول صحة أشعار إمرؤ القيس، وتحولت بسرعة إلي سؤال عن سماح الدولة لأستاذ جامعي أن يقول مثل هذا الكلام.
(4)
سريعاً، انتقلت أفكار الكتاب إلي النيابة العامة.
استقبلت النيابة بلاغات متعددة ضد طه حسين. وتكشف وثيقة التحقيق أن المبلغين جمعوا اعتراضاتهم في أربع مجموعات رئيسية: ما اعتبروه طعناً في القرآن ومكانته كمصدر للتاريخ؛ والتشكيك في قصة إبراهيم وإسماعيل؛ والكلام عن القراءات القرآنية؛ بالإضافة إلى عبارات رأوا فيها تعرضاً للنبي أو لأسرته أو لنسبه.
كان المطلوب أن تنتقل الدولة من ساحة الرد إلى ساحة العقاب. لم يرغب الخصوم أبداً في الرد على أفكار طه حسين بكتاب ينقده، ولكنهم أرادوا سحب الكتاب ومصادرته ومحاسبة مؤلفه.
على أرض الواقع، تعرضت النسخ الباقية من الكتاب للسحب من التداول العملي. استجابت الجامعة للأزمة بجمع ما أمكن من النسخ المتبقية وإبعادها عن الجمهور، فتوقف توزيع الطبعة الأولى في صورتها الأصلية. وعلى الرغم من عدم صدور أي حكم قضائي بمصادرة الكتاب، لأن القضية لم تصل إلى المحكمة بالأساس، ولكن النسخ المتاحة جُمعت وحُجزت وتوقف تداولها، وسط مطالب قوية بالمصادرة. وكانت النتيجة العملية قريبة من المنع الفعلي.
عندما بدأ وصول البلاغات للنيابة، كان طه حسين خارج مصر، ولذلك تأخر استجوابه. وبعد عودته بدأت النيابة التحقيق معه في 19 أكتوبر 1926. تولى محمد نور، رئيس نيابة مصر، دراسة القضية، فسمع أقوال مقدمي البلاغات، واستجوب المؤلف، ثم قرأ الكتاب والمراجع والنصوص ذات الصلة. كان يمكن للتحقيق أن يسير بطريقة أبسط، وهي استخراج العبارات المثيرة للجدل، ومقارنتها بنصوص قانون العقوبات، ثم إحالة الكاتب إلى المحكمة. لكن محمد نور اختار طريقًا مختلفاً وأكثر صعوبة.
قرر رئيس النيابة أن يقرأ أصل الموضوع.
لم يكتف الرجل بالعبارات التي نقلها المبلغون، بل أعادها إلى سياقها. تساءل عن غرض الكتاب، ومنهج المؤلف، وصلته بما كتبه في مواضع أخرى. وفحص التمييز الذي حاول طه حسين إقامته بين العقيدة الدينية والبحث التاريخي.
في الحقيقةن تحولت مذكرة النيابة، في أجزاء منها، إلى مناقشة أدبية وفكرية. لم يكن المحقق ناقداً أدبياً بالمعنى المهني، لكنه أدرك أن الحكم على العبارة لا ينفصل عن سياق الكتاب الذي جاءت فيه، وأن إثبات الجريمة يحتاج إلى أكثر من مجرد غضب الناس. دافع طه حسين عن نفسه بوصفه باحثاً. قال، في جوهر موقفه، إنه لم يقصد إنكار القرآن أو السخرية من الأنبياء، وإنما كان يختبر قيمة الروايات التاريخية والأشعار المنقولة وفق منهج الشك. وما كتبه، بحسب دفاعه، لم يكن تعبيراً عن عقيدة شخصية، ولكنه مجرد افتراض أو نتيجة بحثية قابلة للنقاش.
لم يكن مطلوباً من النيابة أن تحدد مدي صحة نظرية طه حسين من عدمها، بل كان عليها أن تجيب عن سؤال مختلف تماماً: هل أخطأ المؤلف أم ارتكب جريمة تقع تحت طائلة قانون العقوبات؟، وهل توجد أدلة واضحة على قصد إهانة الدين؟.
(5)
فحص محمد نور، رئيس النيابة، مواضع الاتهام الأربعة بالتفصيل.
في مسألة القرآن والتاريخ، قال المبلغون أن طه حسين ينزع عن القرآن قيمته ويضعه في مرتبة النصوص التي يمكن رفضها. لكن قراءة السياق كشفت أن المؤلف كان يناقش استخدام النص الديني مصدراً لإعادة بناء الحياة التاريخية قبل الإسلام. لم تكن عباراته، في رأي النيابة، خالية من الخشونة أو قابلة للقبول بلا اعتراض، لكن القصد المباشر إلى إهانة القرآن لم يكن ثابتاً.
وفي مسألة إبراهيم وإسماعيل، كانت العبارات أكثر خطورة. لم تتجاهل النيابة وقعها، ولم تقل إن اعتراض الناس عليها غير مفهوم. لكنها بحثت في غاية المؤلف: هل كان ينكر النبوة ويسخر من النص الديني، أم كان يناقش قدرة الرواية الدينية وحدها على إثبات تفاصيل تاريخية؟. استعان محمد نور بأجزاء أخرى من كتابات طه حسين ليفهم موقفه العام، وانتهى إلى أن الرجل يتحدث من داخل مشروع بحثي، حتى إن تجاوز أو أخطأ أو أساء التعبير.
أما ما يتعلق بالقراءات القرآنية، فقد رأى مقدمو البلاغات أن المؤلف يزعم أن القراءات وُضعت أو اختُلقت. غير أن النيابة فحصت كلامه في سياقه اللغوي والتاريخي، ولم تجد دليلًا كافياً على أنه تعمد ازدراء النص المقدس.
وفي الاتهامات المتعلقة بالنبي ونسبه، عادت النيابة إلى البناء العام للكتاب وإلى طبيعة الجدل الذي كان المؤلف يخوضه بشأن العصبية القبلية ونحل الأخبار والأشعار. وانتهت مرة أخرى إلى أن إثبات سوء الرأي أو قبح العبارة شيء، وإثبات الجريمة الجنائية شيء آخر.
لم يخرج طه حسين من مذكرة التحقيق باعتباره باحثاً معصوماً. بل على العكس، اعترض محمد نور على بعض آرائه، ورأى أن بعض عباراته غير لائقة، وناقش نقاط الضعف في حجج المؤلف. لكنه في النهاية رفض أن يقفز من منطقة "خطأ وخطورة الكلام المكتوب"، إلى منطقة "هذا الكلام جريمة تستوجي العقاب"، وهو ما كان مقدوموا البلاغات يريدونه في المقام الأول.
في 30 مارس 1927 صدر القرار بحفظ القضية إدارياً. كانت الخلاصة القانونية واضحة وهي أن العبارات التي أثارت البلاغات وردت في سياق بحث علمي، ولم يقم الدليل على أن طه حسين قصد بها الطعن في الدين أو إهانته. لم يعن قرار «الحفظ» أن النيابة وافقت على كل ما جاء في الكتاب، ولكنه كان يعني ببساطة أن جهة التحقيق لم تجد أدلة كافية تبرر إحالة الرجل إلى المحاكمة.
كان هذا التحقيق وذلك القرار، نقطة محورية في تاريخ العلاقة بين الأفكار والقانون في مصر. فقد أقر قرار "الحفظ" ضمنياً إمكانية وجود رأي خاطيء،من دون وجود جريمة، وأقر أيضاً أنه بإمكان الباحث أن يصل إلى رأي مستفز يخالف الرأي السائد من دون أن يكون قصده إهانة الدين.
بالإضافة إلي ذلك، وضع هذا القرار معياراً لا يزال صالحاً للنقاش بعد مرور أكثر من مائة عام، وهو أنه لا يكفي اقتطاع جملة من كتاب، أو شعور قطاع من الجمهور بالإساءة لثبوت وقوع جريمة، بل ينبغي النظر إلى السياق والمنهج والنية والعناصر المحددة للجريمة. ولهذه الأسباب اكتسبت مذكرة محمد نور حياة مستقلة عن الكتاب موضوع التحقيق. وأعيد نشرها ودراستها، وأصبحت نموذجاً لقرار قانوني يقرأ العمل الفكري بدل أن يكتفي بإدانته من الخارج.
ومع ذلك، لم يكن حفظ القضية نهاية الأزمة.
(6)
بعد أسابيع من قرار النيابة، ظهرت نسخة معدلة من الكتاب بعنوان «في الأدب الجاهلي». وفي مقدمة مؤرخة في 11 مايو 1927، قدّم طه حسين وصفاً مباشراً لما قدمه في الطبعة الجديدة، مؤكداً أنه في الأصل الكتاب السابق، لكن حُذف منه فصل، ووضع مكانه فصل، وأضيفت إليه فصول، وتغير عنوانه بعض التغيير. كانت العبارة قصيرة، لكنها أخفت وراءها عملية تحرير شديدة الدلالة.
اختفى عنوان الكتاب الذي ارتبط بالعاصفة، وحل محله عنوان أوسع، لم يعد موضوع الكتاب الشعر وحده، بل الثقافة الأدبية للعصر الجاهلي وما اتصل بها من لغة ورواية ونثر وتاريخ. كما حُذفت المقاطع الأكثر صداماً، خاصة ما يتصل مباشرة بإبراهيم وإسماعيل وبالاستدلال من الكتب المقدسة على الوقائع التاريخية. وأعيدت صياغة مواضع أخرى بحيث تقل حدة العبارة ويتراجع الاحتكاك المباشر بالعقيدة.
لكن الفكرة المركزية استمرت دون تغيير.
استمر طه حسين يشك في صحة جانب واسع من الشعر الجاهلي. وظل يرى أن دوافع سياسية وقبلية ودينية أدت إلى صناعة نصوص وإسنادها إلى الماضي. وظل يدعو إلى ألا يقبل الباحث الرواية القديمة لمجرد أن القدماء نقلوها.
لم تعد النسخة الجديدة هي الكتاب نفسه حرفياً، لكنها لم تكن تراجعاً كاملاً إلى الجانب الآخر. لم يعلن طه حسين أن الشعر الجاهلي صحيح كله، ولم يسحب منهج الشك، ولم يعتذر عن إخضاع التراث للنقد. كان ما فعله أقرب إلى إنقاذ المشروع بعد أن كادت بعض عباراته تقضي عليه تماماً.
منذ ذلك الوقت، انقسم القراء حول معنى تغيير الكتاب.
رأي الخصوم أن طه حسين تراجع تحت الضغط؛ فلو لم يكن قد عدل رأيه، فلماذا حذف الفصل الأخطر؟ ولماذا تغير العنوان؟ ولماذا اختفت العبارات التي أدت إلى البلاغات؟، بينما قال المؤيدون إنه لم يتراجع عن النظرية، وإنما فصل بينها وبين قضايا العقيدة. لقد أدرك أن عباراته المتعلقة بإبراهيم وإسماعيل سمحت بتحويل البحث في الشعر إلى اتهام بالإلحاد، فحذف ما ليس ضرورياً لإثبات نظرية الانتحال، وأبقى على جوهرها.
وكان كلا الفريقين يمسك بجانب من الحقيقة.
نعم، تراجع طه حسين عن إعادة نشر بعض العبارات. وجاء النص الجديد غير مطابق للطبعة الأولى، كما أنه لا يصح وصف التغيير بأنه تبديل بسيط للغلاف. كانت هناك تعديلات جوهرية في المناطق التي فجرت الأزمة. في الوقت نفسه، فإنه لم يتراجع عن الفكرة الأدبية الأساسية. بقي الشك في الشعر الجاهلي محور الكتاب، وبقي نقد الرواة والأسانيد والدوافع القبلية والسياسية جزءًا من بنائه.
الأقرب إلى الدقة أن طه حسين قدم تنازلاً تحريرياً وفكرياً محدوداً لحماية مشروع أكبر. سحب المعركة من أشد مواضعها إثارة للحساسيات، لكنه لم يسلم لخصومه بصحة التراث الشعري كما وصل. وربما يكون قد اكتشف أيضاً أن استخدام العبارات القاطعة المانعة قد أضعفت حجته. فعندما يقول الباحث إن الأدلة لا تكفي، يدعو القارئ إلى مناقشة الأدلة. أما عندما ينتقل إلى إعلان النفي بصيغة متحدية، فإنه يدفع القضية من حالة البحث إلى معركة الميدان.
(7)
لم تكن أزمة كتاب «في الشعر الجاهلي» في أي وقت مجرد خلاف أدبي حول تحقيق قصائد قديمة، ولو كانت كذلك لما عاشت كل هذا العمر، ولكن القضية الأعمق، التي جعلت هذه القضية تستمر لقرن كامل وما تزال هي حق الباحث في السؤال.
ظهر الكتاب في وقت كانت فيه مصر تبني مؤسساتها الحديثة وتختلف حول معنى الحداثة نفسها. ما حدود سلطة الجامعة؟ هل تكون الجامعة مكانًا لتلقي المعارف المقررة، أم فضاءً يحق فيه للباحث أن يشك ويجرب ويخطئ؟، وما هي حدود سلطة الأزهر والمؤسسة الدينية؟ هل يقتصر دورها على الرد العلمي، أم يحق لها المطالبة بإبعاد الأستاذ أو سحب كتابه؟.
ما هو دور البرلمان؟ هل يحاسب الحكومة على حماية حرية البحث، أم يضغط عليها لمعاقبة صاحب رأي يراه الجمهور مسيئًا؟، وما دور القانون؟ هل يعاقب على النتيجة الفكرية، أم على فعل جنائي محدد تتوافر له نية وأركان وأدلة؟.
اجتمعت هذه الأسئلة كلها في أزمة كتاب واحد.
كان طه حسين يمثل، في نظر أنصاره، الباحث المجدد الذي يرفض أن يبدأ عمله من التسليم بالتراث المتراكم. وكان يمثل، في نظر خصومه، نموذج المثقف المنفصل عن عقيدة المجتمع وتراثه، والمفتون بمناهج الغرب إلى الحد الذي يجعله يهدم مصادر ثقافته الأصلية.
والحقيقة أن الصورة الشاملة لطه حسين لا تكتمل في نظرة الأنصار أو نظرة الخصوم وحدها.
لم يكن الرجل مجرد باحث وبطل معصوم يحارب التعصب؛ فقد كانت في كتابه مبالغات ونقاط ضعف وقفزات من الشك إلى اليقين. وفي الوقت نفسه لم يكن مجرد ناقل لأفكار أجنبية أو خصم للدين؛ فقد كان مشروعه جزءاً من محاولة عربية واسعة لإعادة النظر في التراث باستخدام الأدوات البحثية الحديثة.
كشفت أزمة الكتاب عن معادلة بسيطة، هي معادلة ما تزال تبحث عن التحقق حتي اليوم. يمكن انتقاد منهج طه حسين بشكل كامل دون المطالبة بحبسه. كما يمكن الدفاع عن حقه في البحث والكتابة دون الموافقة على كل ما يتوصل إليه أو يكتبه. وربما كان هذا هو الدرس الذي فهمه محمد نور بوضوح شديد، أن حرية البحث لا تشترط على الإطلاق عصمة الباحث.
كان الهدف العملي من جمع نسخ «في الشعر الجاهلي» ووقف توزيع الطبعة الأولى هو إخراج الكتاب من المجال العام. لكن ما حدث كان العكس تماماً.
كلما اشتدت الحملة، ازداد الفضول. وكلما صار الكتاب عنواناً لخطر، تحول إلى نص يبحث عنه الناس. وعندما أعيد نشر الطبعة الأصلية لاحقاً، لم يعد القارئ يفتحها فقط ليتعرف إلى رأي طه حسين في الشعر الجاهلي؛ كان يفتحها ليدخل إلى واحدة من أشهر معارك الثقافة العربية الحديثة.
أما «في الأدب الجاهلي»، النسخة التي اختار المؤلف أن تستمر، فقد دخلت بدورها تاريخ النقد الأدبي، وأصبحت متاحة في طبعات حديثة ورقمية. ولم تؤد الأزمة إلى إنهاء النقاش حول الشعر القديم، بل إلى توسيعه. ظهرت ردود ودراسات ومراجعات، وعاد باحثون كثيرون إلى سؤال الانتحال، بعضهم رفض أحكام طه حسين الواسعة، وبعضهم قبل جانباً منها، وبعضهم استخدم مناهج أكثر دقة وتعقيداً.
لم تنتصر نظرية واحدة نهائيًا. لكن شيئاً تغير إلى الأبد، لم يعد ممكناً، بعد المعركة، التعامل مع الشعر الجاهلي، بوصفه تراثاً لا يُسأل عن مصادره وطرق نقله وتاريخ تدوينه. والمدهش، أنه حتى الذين كتبوا لإسقاط طه حسين شاركوا، من حيث لا يقصدون، في ترسيخ السؤال الذي طرحه.
(8)
هناك مفارقة أخيرة في قصة الكتاب.
هذه المفارقة نعرفها اليوم غالباً باسم «محاكمة طه حسين». والعنوان جذاب ومفهوم؛ فقد تعرض الرجل فعلًا لمحاكمة ثقافية وسياسية وصحفية واسعة. قُرئت كلماته على الملأ، ووُجهت إليه الاتهامات، وطُلبت معاقبته، وتحول إلى متهم في نظر قطاع من المجتمع.
ولكنه في حقيقة الأمر لم يقف متهماً أمام هيئة محكمة.
كانت هناك بلاغات وتحقيق واستجواب وقرار حفظ. لم يتحول ملف الكتاب إلى محكمة تصدر حكماً، ولم يصدر حكم بالبراءة أو الإدانة. لذلك، عندما نقول إن «المحكمة برأت طه حسين»، فإننا نختصر التاريخ بطريقة غير دقيقة. الذي حمى المؤلف من المحاكمة كان قرار النيابة بعدم توافر الأساس الجنائي الكافي لإحالته إليها. أما المحاكمة الحقيقية، بالمعنى الرمزي، فقد استمرت لمدة قرن تقريباً.
قام كل جيل بإعادة فتح الكتاب ومحاكمته من جديد. بعض القراء وجدوا فيه لحظة تأسيسية للعقل النقدي العربي، وبعضهم رآه مثالاً على الإفراط في الشك. بعضهم يحتفي بجرأة طه حسين، وبعضهم يركز على ما حذفه أو قام بتعديله. بينما قرأ البعض قرار رئيس النيابة محمد نور باعتباره بطل القصة الحقيقي: رجل القانون الذي لم تأكيد صحة الفكرة حتي يحمي حق صاحبها في التفكير.
قرن كامل مر منذ اشتعال معركة كتاب «في الشعر الجاهلي»، وما تزال القصة حية، لأن الأسئلة الأساسية التي أثارتها هذه المعركة لا تزال حية تماماً.
لا يزال الباحثون والكتاب يواجهون السؤال نفسه: إلى أي مدى يمكن إخضاع النصوص الدينية والتراثية للمناهج التاريخية؟ متى يصبح النقد إساءة؟ ومَن يحدد ذلك؟ هل مشاعر الجمهور معيار كافٍ للعقاب؟ وهل يحمي القانون الناس من الأفكار التي تزعجهم، أم يحمي حق الأفكار في أن تُطرح ويتم مناقشتها؟
تكشف قصة «في الشعر الجاهلي» أيضاً أن الإجابات السهلة خطرة.
فحرية البحث لا تعني أن كل بحث هو بالضرورة جيد. وقد يكون الباحث متسرعاً، أو متأثرًا بفرضية سابقة، أو شديد الثقة في أدلة ضعيفة. لكن علاج البحث الرديء هو بحث أفضل، وعلاج الحجة الواهية هو الحجة القوية، لا افتراض الجريمة قبل إثباتها.
وفي المقابل، لا ينبغي تصوير كل اعتراض ديني أو ثقافي باعتباره تعصباً أعمى. كانت بعض عبارات طه حسين حادة بكل تأكيد، وكان من الطبيعي أن تثير نقاشاً واسعاً. لكن المشكلة لم تكن أبداً في الرد عليه، أو ضحد أفكاره، ولكنها كانت في تجاوز فكرة الرد المطالبة بمعاقبته وإسكات صوته، وهو ما رأيناهيحدث لاحقاً في المجتمع إلي درجة وصلت لاغتيال بعض الباحصين وإسكاتهم للأبد.
وفي منتصف الطريق بين الاتجاهين، وقفت النيابة المصرية، ووثيقتها التي حفظها التاريخ كنموذج فريد للتعامل مع مثل هذه الأزمات. لم تقل الوثيقة للناس إن عليهم الإعجاب بآراء طه حسين. ولم تقل للأزهر إنه لا يملك حق الاعتراض. ولم تحسم سؤال الشعر الجاهلي. ولكنه وضعت ركيزة أبسط وأعمق: ربما أخطأ المؤلف، لكن الخطأ لا يصبح جريمة من تلقاء نفسه، والنية لا تُفترض، والسياق لا يجوز تجاهله.
قرن كامل مضي، وبقي الكتاب.
بقيت الطبعة الأولى بوصفها الوثيقة التي أشعلت الأزمة. وبقيت النسخة المعدلة شاهداً على ما يستطيع الضغط العام أن يفعله بالنص المثير للجدل. وبقي قرار النيابة نموذجاً نادراً للحظة قرر فيها رجل قانون أن يقرأ الكتاب قبل أن يحكم على صاحبه.
لم ينته الأمر بانتصار كامل لطه حسين. فقد توقف تداول كتابه بصورته الأولى، واضطر إلى الحذف والتغيير، وتحمل حملة قاسية مست سمعته ومكانته. ولم يحقق خصومه انتصارًا كاملًا بدورهم؛ إذ لم يُسجن الرجل، ولم تُصدر الدولة حكمًا بإدانته، ولم تختف فكرته.
أما الكتاب الذي أريد له أن يختفي، فقد صار أعلى صوتاً. وهذه ربما هي المفارقة الأهم في الحكاية، لأن الأزمة لم تمنح «في الشعر الجاهلي» شهرة عابرة فقط، بل نقلته من تاريخ النقد الأدبي إلى تاريخ الحرية. قصة الكتاب هي قصة مجتمع وجد نفسه فجأة أمام السؤال الصعب: هل نمتلك القدرة على مواجهة الأفكار ومناقشتها أم أننا لن نطمئن إلا بعد إسكات صوت كل فكرة تستفز قناعاتنا الأساسية؟ وهو سؤال لا يزال مفتوحاً حتى اليوم.
مصادر أساسية:
اعتمد الموضوع على الطبعة الأولى من كتاب «في الشعر الجاهلي»، الصادرة عن مطبعة دار الكتب المصرية في القاهرة سنة 1926، وهي متاحة في صورة رقمية كاملة.
كما اعتمد على نص قرار النيابة العامة في قضية الكتاب، الذي يسجل البلاغات وبدء استجواب طه حسين في 19 أكتوبر 1926، ويناقش الاتهامات الأربعة، وينتهي بحفظ القضية. وتوجد طبعة مستقلة للقرار صدرت سنة 1927 عن مطبعة الشباب.
واستُخدمت النسخة اللاحقة من الكتاب «في الشعر الجاهلي» ومقدمة طه حسين المؤرخة في 11 مايو 1927، لفهم طبيعة الحذف والإضافة وتغيير العنوان.
وروجعت دراسات ومقدمات مقارنة تناولت استمرار النظرية الأساسية في النسخة المعدلة، والجدل حول ما إذا كانت التغييرات تمثل تراجعًا فكريًا أم إعادة تحرير للكتاب بعد الأزمة.
السجل الرسمي

